الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )

478

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية

وكان آباؤه الكرام وأجداده العظام من الأمراء الفخام ذوي الاحتشام ، وكانوا موصوفين بالأخلاق الحميدة والأوصاف الجميلة ، ومعروفين بالمروءة والعدالة والشجاعة والسخاوة ، وكمال الديانة . ثم لما بلغت النوبة والده الماجد ترك الجاه والمنصب باختياره واختار دولة الفقر والقناعة ، وقسم أسباب المنصب والجاه على الفقراء والمساكين لرضى مولاه . واهتم في تربية ولده مولانا مرزاجانجانان اهتماما تاما وأكد عليه في تقسيم أوقاته لكسب الكمالات في صغر سنه لئلا يضيع عمره الشريف الذي لا بدل له فيما لا يعنيه ، وعلّمه الداب السلطانية ، والفنون العسكرية ، وسائر الصنائع الضرورية والمعارف اللازمة . وكان يقول له : لو كنت أميرا كما هو دأب آبائك وأجدادك ، تعرف قدر أرباب الصنائع والمعارف ، فإن من لم يعرف شيئا لا يعرف قدر أربابه ، كما قيل شعر : لا يعرف الوجد إلّا من يكابده * ولا الصبابة إلّا من يعانيها « 1 » وإن اخترت الفقر والتجرّد كما هو مرضاي وظني فيك ، فلا تقع حاجتك على أهل المعارف والصنائع . فصار ماهرا كاملا في جميع الفنون بحيث إذا التقاه صاحب صنعة من الصنائع كان يعترف بمهارته وكماله فيها . وكان يعرف خمسين نوعا من تقطيع السراويل ، وكان يقول : إذا حمل عليّ عشرون رجلا مجرّدين سيوفهم وفي يدي عصا صغيرة لا يقدر واحد منهم أن ينال مني . وقال : رأيت مرة في المنام سيدنا إبراهيم على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام ، فأظهر لي ألطافا وعنايات كثيرة ، وكنت وقتئذ ابن تسع سنين ، وإذا جرى ذكر أبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنه في تلك الأوقات كانت صورته المباركة تظهر لي في الحال ، وقد رأيته بعين الرأس مرارا . وقال : إن اللّه سبحانه جعل طبيعتي في غاية الاعتدال ، وأودع في طينتي حظا وافرا من رغبة اتباع السنّة النبويّة على صاحبها الصلاة والسلام . وذهبت مرة في صغر سني لزيارة الشيخ عبد الرحمن القادري عليه الرحمة مع والدي الماجد ، وكان هو شيخه وقد ظهرت منه كرامات وتصرفات ، وكان يتساهل في أفعال الصلاة ،

--> ( 1 ) ينسب هذا البيت لأبي الشمقمق : مروان بن محمد ، من شعراء العصر العباسي ، ولد سنة 112 هجرية وتوفي سنة 200 هجرية . ( الموسوعة الشعرية ، المجمع الثقافي - أبو ظبي ) .